مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

قهوة الصباح

الدول المزعجة والدول المنزعجة

 

فى العلاقات بين الأفراد كما فى العلاقات بين الدول، يظهر دائمًا نمطان متقابلان: طرف يُزعج الآخرين بسلوكياته وتصرفاته، وطرف آخر يجد نفسه منزعجًا ومتضررًا من تلك السلوكيات. وكما أن هناك أشخاصًا يفرضون على محيطهم حالة من التوتر والاضطراب، فإن هناك أيضًا دولاً تمارس أدوارًا مشابهة فى محيطها الإقليمى من خلال سياسات توسعية أو تدخلات مباشرة وغير مباشرة فى شؤون الآخرين.

الدول المزعجة غالبًا ما تتجاوز القواعد والأعراف الدولية لتحقيق مصالحها الخاصة، فتتعامل مع القانون الدولى باعتباره عقبة يمكن تجاوزها إذا تعارض مع أهدافها الاستراتيجية. وتتنوع أدوات هذا «الإزعاج» بين أساليب ناعمة وأخرى خشنة، وصولاً إلى أشكال جديدة يمكن وصفها بالتدخلات السائلة التى لا تعتمد على القوة العسكرية المباشرة لكنها لا تقل تأثيرًا وخطورة.

فالتدخلات الناعمة قد تأخذ شكل التأثير فى الشؤون الداخلية لدول أخرى عبر وسائل الإعلام أو عبر أدوات التكنولوجيا الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي. ويمكن أن يحدث ذلك من خلال دعم تيارات سياسية أو إيديولوجية معينة، أو من خلال تمويل قوى سياسية بعينها بهدف ترجيح كفة حزب أو مرشح على آخر. كما قد يتم توجيه الرأى العام عبر حملات إعلامية أو تطبيقات مصممة للتأثير فى مزاج الجمهور وإحداث تغييرات سياسية داخلية تخدم مصالح أطراف خارجية.

أما التدخلات الخشنة فهى أكثر وضوحًا، وتشمل الاجتياح العسكرى المباشر أو دعم كيانات مسلحة وميليشيات تعمل خارج إطار الدولة الوطنية. وفى هذه الحالة تصبح تلك الجماعات أدوات ضغط تستخدمها الدول المزعجة لفرض نفوذها أو للتأثير فى قرارات الدول المجاورة، ما يؤدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة وخلق بؤر توتر وصراع طويلة الأمد.

وهناك أيضًا ما يمكن وصفه بالتدخلات السائلة، وهى تلك المرتبطة بالموارد الطبيعية، خصوصًا المياه والطاقة. فإقامة السدود على الأنهار العابرة للحدود دون تنسيق مع الدول المتشاطئة، أو استنزاف المياه الجوفية فى المناطق الحدودية، أو استغلال الموارد النفطية والغازية فى المناطق الاقتصادية المتنازع عليها، كلها أشكال حديثة من الإزعاج الاستراتيجى الذى قد يقود إلى أزمات سياسية وربما صراعات مفتوحة.

وفى محيطنا الإقليمى يمكن رصد نماذج متعددة لهذا السلوك. فإثيوبيا تمثل مثالاً للدولة التى تثير قلق جيرانها بسبب سياساتها المائية وطموحاتها الإقليمية. وإسرائيل تُعد نموذجًا للدولة المزعجة عسكريًا نتيجة احتلالها أراضى فلسطينية واعتداءاتها المتكررة فى المنطقة. أما إيران فتُطرح غالبًا كنموذج للدولة التى تحاول توسيع نفوذها الفكرى والسياسى عبر دعم قوى وميليشيات فى عدة دول عربية.

ولو أن هذه الدول التزمت بروح القانون الدولى واحترام سيادة الدول وحدودها ومواردها، لكانت صورة المنطقة مختلفة كثيرًا. فجزء كبير من الصراعات التى نشهدها اليوم ليس نتيجة اختلافات طبيعية بين الدول، بل نتيجة سياسات إزعاج مستمرة تدفع الدول الأخرى إلى حالة دائمة من القلق والدفاع عن مصالحها. وفى النهاية يبقى السؤال: هل يمكن أن تستقر منطقة ما دامت فيها دول تمارس الإزعاج كسياسة دائمة؟ غالبًا ما يكون الجواب واضحًا، لأن الاستقرار لا يُبنى إلا على الاحترام المتبادل والالتزام بالقواعد التى تنظّم العلاقات بين الدول.